الشيخ محمد هادي معرفة
36
تلخيص التمهيد
الوجيزة التي وضعها في بيان إعجاز القرآن - ولعلّه أسبق من توسّع في هذا البحث أفاد وأجاد - : أنّ الإعجاز قائم بنظمه ، ذلك المتّسق البديع ورصفه ، ذلك المؤتلف العجيب ، قد وضعت كلّ كلمة في موضعها اللائق بدقّة فائقة ، ممّا يستدعي إحاطة شاملة تعوزها البشرية على الإطلاق ، الأمر الذي أبهر وأعجب . قال : قد أكثر الناس الكلام في هذا الباب قديماً وحديثاً ، وذهبوا فيه كلّ مذهب من القول وما وجدناهم بعد صدروا عن ريٍّ ، وذلك لتعذّر معرفة وجه الإعجاز في القرآن ، ومعرفة الأمر في الوقوف على كيفيّته . فأمّا أن يكون قد نقبت في النفوس نقبة « 1 » بكونه معجزاً للخلق ممتنعاً عليهم الإتيان بمثله على حال ، فلا موضع لها . والأمر في ذلك أبين من أن نحتاج إلى أن ندلّ عليه بأكثر من الوجود القائم المستمرّ على وجه الدهر ، من لدن عصر نزوله إلى الزمان الراهن الذي نحن فيه . وذلك أنّ النّبيّ صلى الله عليه وآله قد تحدّى العرب قاطبةً بأن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا عنه وانقطعوا دونه . وقد بقي صلى الله عليه وآله يطالبهم به مدّة عشرين سنة ، مظهراً لهم النكير . زارياً على أديانهم ، مسفّهاً آراءهم وأحلامهم ، حتّى نابذوه وناصبوه الحرب فهلكت فيه النفوس ، وأريقت المهج ، وقطعت الأرحام ، وذهبت الأموال . ولو كان ذلك في وسعهم وتحت أقدارهم لم يتكلّفوا هذه الأمور الخطيرة ، ولم يركبوا تلك الفواقر المبيرة « 2 » ، ولم يكونوا تركوا السهل الدمث من القول ، إلى الحزن الوعر من الفعل . « 3 » هذا ما لا يفعله عاقل ولا يختاره ذو لبّ . وقد كان قومه قريش خاصّة موصوفين برزانة
--> وقبله أبو عبيدة معمّر بن المثنّى ( توفّي سنة 209 ه ) له كتاب « إعجاز القرآن » في جزءين ، وهو من أوّل الدراسات القرآنيّة التي ظهر فيها الاتجاه إلى الكشف عن أسرار أسلوب القرآن ، وقد نشره الخانچي بمصر سنة 1955 م ( راجع مقدّمة الطبعة الثانية لكتاب « ثلاث رسائل في إعجاز القرآن » : ص 5 ، والتمهيد : ج 1 ص 17 - 18 ) . ( 1 ) . أي ألقيت في النفوس إلقاءً : وهو قول قريب من القول بالصرفة ، ومن ثمّ رفضه . ( 2 ) . الفاقرة : الداهية . والإبارة : الإهلاك . ( 3 ) . الدماثة : السهولة . يقال : أرض دمث أي ذلول ، ضد الحزونة والوعورة .